الخميس، 9 سبتمبر، 2010

قطائف الطرائف في اخبار((اهل العمايم))الظرائف-5-

عتادت الناس في جنوب العراق أيام عاشوراء والمناسبات الدينية إن تأتي بقارئ حسيني يحيي أمسيات دينية في أجواء تسودها المودة و الألفة والالتقاء...

وكان القارئ الحسيني يطلق عليه لقب ((الملا )) واغلبهم ان لم يكونوا أكثرهم من الملا لي ليست لديهم خلفية علمية او لغوية او جانب معرفي مهم ..بل هم من الناس التي تتخذ من تلك المناسبات وسيلة لكسب الرزق ليس اكثر ..وفي هذا الموضوع الأحاديث والقصص الطريفة الكثير ...وأيضا من المهم ان نذكر هنا ان أصحاب النفوذ الكبير في مناطق جنوب العراق كانوا ممن يعمل على تكريس سلطته ونفوذه بين أهله وجيرانه وعشيرته في القيام بخدمة الناس وذبح الولائم ودفع أجرة (الملا )) كي يعلو شانه وتزداد مكانته ..

نعود لاصل القصة قرر احد شيوخ العشائر ومن حوله من بطانته ذات يوم ان يجلبوا ((ملا ))من النوع ((السوبر ملا)) من أكثرهم علما وأعلاهم كعبا وأعذبهم صوتا وأشجاهم منطقاً ,,, واو سمهم شكلا ومنضراً,,, كي يجذب من خلاله اكبر عدد ممكن من الرواد والمستمعين ويزداد اي صاحب المقام رفعة ومكانة ... وقرر أخيرا إن يقصد النجف حيث منبع العلم الديني و مدارس القراء الحسينيون ((الملالي ))...وأخيرا جاء هو برجل (( ملا)) من النجف ,,,,,,,,,,,,احمر الوجه,, كث اللحية,, طويل القامة,,بهي الطلعة ,, ذو عمامة يقدر طولها ب 25 مترمن القماش الفاخر ,,وعدد طياتها الى 35 طيه,, وفي أصابعه أربعة محابس (خواتم )),,مرصعة بأجمل وأنفس الأحجار الكريمة ,,,ذو عباءة سوداء,,,وجلباب اسود,,,مطيب ومعطر بأجود العطور وأغلاها ثمنا ... وكأنه شقة قمر منير او هو معاذ الله ان يكون بشرا لمن يراه بل هو اقرب الى ملاك كريم ..

جاء الليل واجتمع القوم في الديوان وصعد ((الملا)) الى المنبر فأسهب وأطنب واطرب وأشجى وأبكى كل من كان حاضراً,, وما أحلى و ما أروع ما القي من العظات الغر والتذكير بمناقب أولياء الله الصالحين ..وانقضى الليل وانفض المجلس على موعد مع الغد وهم كلا سعيدين أيما سعادة وفرحين ب((الملا)) الجديد الذي كسر سوق كل الملا لي السابقون واللاحقون ... جاء مساء اخر وكان اليوم أروع من الأمس ..

كان الوقت ذلك التاريخ في تسعينيات القرن المنصرم وكان العراق عموما تحت الحصار الاقتصادي . وكانت تشتهر ظواهر سلبية كثير ة في عموم العراق منها على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة سرقة إطارات السيارات ..اي انك تركن سيارتك داخل مراب البيت او مراب في المنطقة او في الشارع لتستيقظ صباحا لتجد السيارة مرفوعة على أربعة أحجار ضخمة والإطارات مفقودة بالكامل ..
كانت ظاهرة سرقة إطارات السيارات منتشرة غالبا في المدن ...إما في هذه القرية حيث يقيم هؤلاء القوم وهم كما يقول المثل العراقي ((الخال وابن أخته ))فظاهرة السرقات نادرة جدا وان وجدت فهي تشمل الدواب والأبقار والمواشي ونادرا ما كان شخص يجد إطارات سيارته مفقودة ...

نعود مرة أخرى إلى الملا الجديد ,وأهل القرية,,, وكما قلنا ارتاح لهم... وارتاحوا له,,, لحسن كلامه,, ودماثة أخلاقه... وصوته الشجي الرخيم... وأناقته المفرطة ...وحسن صورته ...

ذات صباح في احد هذه الأيام المباركة نهض احد الرجال فجرا ليركب سيارته قاصدا حقله وعمله أدار المحرك واشتغلت السيارة, داس على عتلة السرعة لكن السيارة ضلت واقفة !!!رغم انها تعمل بكل جدارة ...اعاد التشغيل واشتغلت مرة ثانية وداس على عتلة السرعة واشر مقياس السرعة على الرقم 30 ثم 40 ثم 50 ...70 ...100 ...120 ...لكن السيارة لم تبرح مكانها ...طار عقل الرجل وفرك عينيه,,غير مصدق ... واعاد المحاولة لكن النتيجة واحدة ..اطفىء السيارة وترجل ..وفتح صندوق المحرك وألقى نظرة فاحصة ..وكان كل شيء على ما يرام .
وأخيرا لاحت له نظرة خاطفة كشفت له كل الأسرار ............كانت السيارة مرفوعة على أربعة أحجار ضخمة ولا اثر للإطارات الأربعة وكذلك الإطار الاحتياط أيضا مفقود...طار علقه وغضب وقرر أولا إن يشيع الخبر بين الناس.. إلى انه قرر أخيرا أن يتكتم على الخبر ويراقب الوضع بهدوء لعله يكتشف الفاعل ...واخبر جمعا من علية القوم بسرية بلامر وطاوعوه على مقترحه .

جاء الليل واجتمع الناس في المقام الجليل وألقى ((الملا)) عظة جليلة ...وأعاد إلى الأذهان إحدى مناقب الصالحين ثم أرثاه وأبكاه.. ثم لطم عليه ..ولطم من حوله من الناس ..وانفض المجلس.... ونامت القرية ...

وجاء الصبح معه إخبار غير سارة ..فقدت إطارات أربعة سيارات من سيارتا بناء القرية ..والكل يزعم انه كان مستيقظ لكن الأمر دبر بمكيدة محكمة ...والليلة التي بعدها وصل عدد الإطارات المسروقة إلى 12 سيارة سرقت إطاراتها بالكامل ..


والجميع مندهش لما يحصل ..وفي الليلة التاسعة من ليالي عاشوراء ...كان ((الملا )) مدعو لوليمة العشاء في بيت الرجل صاحب السيارة التي سرقت إطاراتها أول مرة وبعد إن انفض المجلس عاد((الملا)) إلى بيت ((المعزب ))المضيف صاحب السيارة رقم واحد في السرقة... وتناول ((الملا)) العشاء الدسم الذي التهمه التهاما كان بينه وبين فخذ الدجاج الذي يعلو ماعون الرز المقدم له عادواة قديمة حيث لم يبقي ((الملا)) حتى على قطعة من الجلد رثة من بقايا الفخذ بينما كان صغار صاحب الدار ينتظرون عودة بقية الوليمة لعلهم يظفرون بشيء من اللحم او بقايا الرز الذي نسوا حتى شكله !! ليسدوا به رمقهم أيام الحصار الظالم.. الذي اذهب اللحم,, وأذاب الشحم وأدق العظم ...لعموم أبناء العراق ..وكما هو معتاد نام الصغار وأبيهم وامهم ومن معهم جياعا !!!لكنهم مملوءين غبطة وسعادة لإكرامهم ضيف السماء والعقيدة واحد دعاتها ((الملا)).... ونام ((الملا)) منفوخ ((الكرش ))ممتلاء بأنواع من ألوان الطعام والشراب على طول النهار والليل ..

عند منتصف الليل نهض صاحب الدار ليقضي حاجة له فسمع حركة خفيفة قرب محل نوم ((الملا)) وذهب هناك ليستطلع الأمر بهدوء ورويه.... لكي لا يوقظ الضيف.او يزعجه إي ((الملا))..وألقى نظرة من وراء خرم في الباب فشاهد ان ((الملا))قد خلع ملابسه الرسمية ورتبها تحت الغطاء((البطانية )) وكأنه موجود في الفراش إي أن مجموعة الملابس رتبها لتظهره كأنه نائم ...وكان صاحب الدار يشاهد هذا وهو مندهش جدا وغير مصدق لكن حب الفضول والاستقصاء دفعه أن يفهم ويتابع ما يدور ..

كما قلت رتب ((الملا)) فراشه بالطريقة السابقة وارتدى ملابس رياضية وحذاء رياضي خفيف وغطى وجهه بقناع من القماش ثم فتح حقيبة له واخرج أداة هي مفك براغي أطار السيارات ((الويل اسبانة )) من النوع الذي يمكن ان يتحكم به في حجم فتحة البر غي المراد فتحة ...

كان صاحب الدار يراقب وهو مندهش ثم تتبع ((الملا)) وهو يتسلل بهدوء من داره وبحركات خفيفة رشيقة استلقى ((الملا)) تحت احد سيارات ابناء القرية وخلال دقائق,, ان لم تكن ثواني,,, كان الملا يركض كالغزال!!!! وهو يضرب بيده على إطار السيارة الذي فكه وهو يدور على الأرض,, والملا يضرب به بيده ليصل الى خرابه فيها أكوام من بقايا الحطب والازبال ليدفن بها الإطار وهكذا خلال ربع ساعة كانت الإطارات الأربعة والإطار الاحتياطي في غيا هيب الأكوام المزبلة ..


ثم توجه الملا الى سيارتين آخريين كانت النتيجة كما الأولى ثم صفر الملا بفمه صفيرا حتى جاءت عربة يقودها حصان ورجل((من صعاليك القرية )) وحمل الإطارات الخمسة عشرة واختفت العربة في الظلام وعاد ((الملا)) الى بيت صاحب الدار ونزع ملابسه وارتدى ملابس ((الملا))الشبه رسمية وغط في نوم عميق وشخير كبير كان شيء لم يكن..

نهض صاحب الدار وجلب الفطور الى ((الملا)) وهو غير مصدق ان يكون هذا الشخص صاحب الوجه الملائكي بهذه الصفات ...

وجاء المساء اليوم الأخير وهو اليوم العاشر,,, وجلس صاحب الدار تحت المنبر قرب ((الملا)) وصعد ((الملا)) المنبر ,,وابرق ,,وأرعد,, لكنه لم يمطر,, وأبكى واصرخ الجميع ,,,وتمايل تاثرا,, وتمايلت معه الرقاب والأنفس من شدة التأثر ..اما صاحب الدار فكان في وادي أخر ويفكر في الصورة التي رائ فيها ((الملا)) وهو يدولب الإطار على الأرض بسرعة ويركض خلفه بل هو ابرع من الأطفال عندما يعلبون بالإطارات بهذا الشكل وبينما هو منغمس في أفكاره حول ليلة البارحة,,,


هداء المجلس مؤقتا قليلا,,, ثم انتبه إلى صوت ((الملا)) وهو يلطم هازجاً ::
كربلة........... يا كربلة............ يا كربلة
وصاحت خلفه الجموع هاتفه بكل قوة اصواتها ::
كربلة يا كربلة ياكربلة
فنهض صاحب الدار واقفا مرددا مع الجموع لكن ترديد مختلف وهو اقرب الى الهمس باذن ((الملا)) هامسا
التاير من هو دعبله ياكربلة
بيمنا الجموع تلطم وتدق الصدور بالأيادي وتهزج بقوة الحناجر الصادحة:
كربلة يا كربلة ياكربلة
((الملا))مجيبا بهمس الى اذن صاحب الدار,:
اسكت ولك اسكت ولك
تاير اللي وتاير الك
((ثم ارتفع صوت ((الملا)) مع الجموع :
             كربلة ياكربلة ياكربلة ...............

ليست هناك تعليقات: