السبت، 10 سبتمبر، 2016

لا تمشِ مع القطيع

 بقلم معتصم الصالح
نامي على تلك العِظَاتِ الغُرِّ من ذاك الإمامِ
يُوصِيكِ أن لا تطعمي من مالِ رَبِّكِ في حُطَامِ
يُوصِيكِ أنْ تَدَعي المباهِجَ واللذائذَ لِلئامِ
وتُعَوِّضِي عن كلِّ ذلكَ بالسجودِ وبالقيامِ
نامي على الخُطَبِ الطِّوَالِ من الغطارفةِ العِظَامِ
نامي يُسَاقَطْ رِزْقُكِ الموع ودُ فوقَكِ ﺑﭑنتظامِ
نامي على تلكَ المباهجِ لم تَدَعْ سَهْمَاً لِرَامِي
نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي حَرَسَتْكِ آلِهة ُالطَّعامِ

ترنمية الجياع ..الجواهري ..

يقال ان الانماط السلوكية للبشر اقل تنوعا من تلك الموجودة في الحيوانات والطيور والحشرات .. النفس البشرية تعتمد علی مجموعة فرضيات سلوكية منها غريزي ومنها المتعلم وكلها تعتمد علی الحافز والاستجابة او الفعل وردة الفعل..

لكن هنالك انماط سلوكية كثيرة انتقلت لنا نحن بني البشر من الحيوانات في محيطنا من حولنا ربما بسبب التقليد والملاحظة والمحاكاة .. او ربما هي انماط سلوكية متوارثة من اسلافنا الحيوانات حسب نظرية التطور لتشارلس دارون..
كتب سيجموند فرويد عن بعض الأنماط السلوكية ذات الاصل الحيواني منها الغيرة. .ومنها الغزل ..ومنها الشبق الجنسي.. ومناطق الاثارة ..وغيرها ..

وكتب آخرون عن سلوك الغاب والصراع والتنافس والتشاجر والتفاخر والمباهاة وغيرها وبحث عنها مفصلا فتبين انها انماط سلوكية حيوانية الاصل والنشأة ..
من الأنماط السلوكية ذات الاصل الحيواني الطبع والتطبع.. وكثيرا ما قيل غلب الطبع علی التطبع ..اي عاد كلا الی اصله.. كما جاء في قصة الاصمعي والعجوز التي ربت ذئبا صغيرا فلما كبر التهم الشياه وفر هاربا ..

قرت شويهتي وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب

سلوك الاعتياد والتعود وهي ان يوقف الكائن الحي الاستجابة لمؤثر معين متكرر سمعي او بصري او كيميائي لو لمسي لإيمانه بانها مؤثرات غير مهمة ..مثلا شخص انتقل للتو من السكن في مكان هادئ الی مكان قربب من سكة القطار سوف ينزعج اول الامر كلما مر به قطار لفترة محدودة من الزمن ..حتی يصبح صوت القطار امر معتادا ليس ذا قيمة بالنسبة له.. وكما قال شاعر عن الاعتياد والتعود بمعنى احلال عادة جديدة محل طبع قديم ...

تـَعَوَّدَ بَسْطَ الكَـفِّ حـتى لوَ انَّـهُ أَرادَ انـْـقِباضَاً لم تـُطِعْهُ أَنامِلُهْ ....
يَقُولونَ لِيْ فِيْكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّما رَأَوا رَجلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا .....

الاشتراط.. والتغذية المرتدة وهي ما درس عنها العالم الروسي بافلوف في تجاربه الشهيرة علی الكلاب ..وتعني ربط حافز بمؤثر اخر او فصله عنه.. وهي احد اشهر النظريات في السلوك المتعلم.. 

التعلم بالمحاولة والخطأ ..او كما يقال الفشل طريق النجاح. هي احد الانماط السلوكية المتعلمة ذات الاصل الحيواني. .

السلوك الاستكشافي حيث ان اللعب وحب الاستطلاع يولد انماط سلوكية جديدة لم تكن معمولا بها سابقا ..مثلا القرود الصغيرة تلعب سوية مشتركة بالعراك والهرب او الكر والفر كلما زاد نشاطها في اللعب ابتكرت وسائل تنجي حياتها في تجنب الضربات والهرب عنها 

هنالك حيوانات وجد ان طريقة لعبها كونت لها سلوكا اجتماعياً ساهم بنضجها..
..سلوك التغذي ..سلوك التخفي ..سلوك الهجرة. .سلوك العودة إلى المنزل ..سلوك التكاثر والمغازلة ورعاية الصغار ..الخ من السلوكيات الحيوانية التي يمكن لاي شخص نبيه ان يلاحظها بدقة ويدون ملاحظته عنها..

هذه الأنماط السلوكية اصبحت من طرق سلوك التعلم لبني البشر وكثير من العلماء حولوا تجاربهم ونتائجها الی نظريات تطبق على البشر...

هذه الانماط السلوكية كلها تعتبر نوعا من السلوك المتطور نوعا ما..لكن هنالك انماط سلوكية بدائية حتی عند الحيوانات منها سلوك القطيع ..

سلوك القطيع او يسمى سلوك الهيمنة او سلوك السيطرة او سلوك التتابع الهرمي.. كلها تسميات لهذا السلوك البدائي ..

نری اليوم رغبة دول او منظمات او احزاب او أشخاص علی الاخرين الی اعتماد هذا السلوك البدائي المتخلف..
لعلنا نری كثير من الاحزاب والحركات و حتی رجال الدين يعمدون الی اخضاع العامة من الناس الی هذا السلوك للسيطرة عليهم.. رجل الدين ايا كان دينه هو مقدس متفوق متعلم عالم يفكر عنك ويقرر لك يحكم ويفصل في امور حياتك وما عليك الا السمع والطاعة. .
اطع العالم وان جلد ظهرك ..
اطع العالم وان اكل مالك..
الراد علی العالم كالراد علی الله.. والنظر بوجه بالعالم عبادة..
كلها عبارات ولوائح لايمكن تجاوزها. . 
تعمد الجهات الحزبية والمؤسسات الدينية الی تجهيل كامل للمجتمع ونشر الخرافات والخزعبلات وادعاء الخوارق والكرامات واسباغها على رؤساء الجهات المعنية حزبية ام دينية لتسهل السيطرة عليهم وتوجيههم نحو أطماع واهداف رؤساء هذه الجهات. .
لكن السؤال المهم لماذا هذا السلوك بالذات دون غيره..

وماهي مميزاته وما هي عيوبه..؟ 
سلوك القطيع حسب الدارسين عليه ..هو سلوك يؤمن الاستقرار النسبي لجماعة ما او نوع معين ..يقلل الصراع والتنافس بين افراد هذه الجماعة.. يجعلهم هادئين مطيعين لا يخرجون عن راي القطيع. . في الصورة ادناه للماشية مثلا نری ان الحيوانات التي تسير في المقدمة هي المهيمنة والمسيطرة علی القطيع ..توجهه الی اي جهة كانت .. والكل يتبعها بخطی عمياء.. الحيوانات التي في المقدمة لها صفة تفضيلية في الحصول علی الموارد الاقتصادية من طعام و كلاء وعشب وماء ..
في حين الحيوانات التي تتبعها تكون فرصتها اقل في الحصول على تلك العائدات الاقتصادية والاجتماعية المهمة ..في اوقات ندرة الموارد نجد ان الحيوانات التي في المؤخرة وهي الكم الاغلب من القطيع تصاب بالهزال والضعف نتيجة قلة حصولها على الغذاء في حين الحيوانات المهيمنة لا تحصل من هذه الندرة الاقتصادية الا النزر اليسير ..لانها تتمتع بمكانة متميزة في القطيع. ..

الحيوانات معروف عنها شريعة الغاب والبقاء للأصلح والتنافس والافتراس والاقتتال حتى الموت ..في الحصول علی الموارد الاقتصادية خصوصا وقت الندرة والشحة ..بقاءها في القطيع يضمن للحيوانات المقدمة الاستقرار والهدوء في حياتهم ضمن هذا السلوك الاجتماعي ..فهي مرتاحة ومستفيدة من هذا الوضع..

ليس هذا فحسب عندما يحصل تعرض او خطر خارجي علی سلوم القطيع نجد ان الكل تدافع عن أفراد القطيع دون استثناء. .فهو ذو فائدة كبيرة في الدفاع عن الحيوانات المفترسة .. اذن افراد القطيع اول من يضحي واخر من يستفيد.. وهي فائدة قصوی تستفاد منها حيوانات المقدمة. . التكاثر والتناسل والانجاب والتزواج مع الاناث سوف يكون حكرا علی الحيوانات المهيمنة بسبب قوتها ونشاطها مما كسبته من مميزات تفضيلية في سلوك القطيع اما الحيوانات الأخر نجد أنها في طريقها الضمور والانقراض..

هذه وغيرها جعلت جهات عديدة تستنسخ هذه النسخة المتخلفة من السلوك الاجتماعي وجعلها نظاما اجتماعيا او سياسيا وتطبيقها علی السلوك الإنساني ... 
نجد اليوم ان رجال دين وزعماء طوائف ورؤساء حركات سياسية وحزبية يتمتعون بكل الامتيازات المالية والاقتصادية والثقافية والرفاهية والتعليم والسفر والرحلات والسياحة هم وعائلاتهم واولادهم وأقاربهم وبطانتهم. .

في حين باقي العامة والسواد الاعظم من اتباعهم ومردييهم يرزحون تحت خط الفقر والعوز والضيم ..والمفارقة ان هؤلاء الاتباع لا يستطيعون الخروج من هذه الحلقة المحكمة لأنها محاطة بجدار ناري من مجموعة وأهام وخرافات واباطيل ..تخوف وترعب كل من يحاول يترك هذا القطيع الادمي ..ويصبح شخصية هامشية تدور في فلك غيرها من الشخوص المهيمنة والمسيطرة. . 

كل هذا وغيره تجعلنا نفكر مليا هل نحن بحاجة فعلا الی سلوك القطيع.!!

اخيرا يقال ان الحكماء كان يسير في احد الاسواق ويأكل بكسرة خبز...
فلقيه احدهم وقال له ..يا فلان اما تستحي ان تأكل وانت تمشي امام الناس ..
فرد عليه الحكيم لكني لا ارى هنالك ايا من الناس ..

استغرب محدثه من كلامه وقال له وهؤلاء من هم !!!
فقال الحكيم سأثبت لك من هم هؤلاء 
صعد الحكيم على ربوة واتخذ موقفا منها وسبح وحمد وصلى على النبي ..
تجمع حوله الناس ليروا ما يقول 
فقال الحكيم عن فلان عن فلان عن فلان سمعت ان احد الصالحين قال.. من عض على شفته السفلى لم تمسه النار..

فاذا بأغلب الناس يعض بكل قوة على شفته السفلى بأسنانه !!!

ليست هناك تعليقات: