السبت، 10 سبتمبر، 2016

المفهوم الحديث للعلمانية

 بقلم معتصم الصالح

اخطر ما في مصطلح العلمانية في تعريفه او صيغته العربية انه ينطوي على زيف كبير بما يحمله من تداخل مع ((العلمية )) ومع التعريفات الكلاسيكية العقيمة ( فصل الدين عن الدولة ) او ( فصل الدين عن السياسة)) هذا التشظي في التعريفات ادى الى حالة من الاستقرار لدى الجيل الجديد من الباحثين ,وان العلمانية او العلمية هي النقيض المقابل للحكم الديني وبالتالي الى الخروج بحقيقة او مبرهنة ان الدين ضد العلم او ضد العلمية والتفكير العلمي والحياة السليمة .. لا ينكر ان المصطلح ينطوي على مكونات عديدة ..وكثير من المدافعين عن العلمانية لا يقصدون سوى الدفاع عن واحد او اكثر من تلك العناصر ..لكنهم يتحملون غير ملتفتين تبعات موقف الدفاع عن سائر العناصر الاخرى التي ربما لا تخطر على البال ..
كذلك فان المصطلح قد حمل في ظروف تاريخية خاصة ووسط ملابسات سياسية معينة ومدلولات خاصة ايضا ..احاطت هذه الملابسات وعقدت من الحوار حوله الى درجة يكاد يكون فيها مستحيلا .. وولد مشاعر نفسية سيئة .. وحسبي هنا ان اورد التعريف الحديث للعلمانية والتي تعني ان العلمانية بشكل او باخر هي المرادف التطبيقي والفعلي للإعلان العالمي لحقوق الانسان . ووقف أي قوة ما ضد العلمانية تعني الوقوف ضد حقوق الانسان وحريته وكرامته ..
العلمانية، أي حركة في المجتمع الموجهة بعيدا عن الغيبية للحياة على الأرض. في العصور الوسطى الأوروبية كان هناك اتجاه قوي لرجال الدين الى احتقار الشؤون الإنسانية والتأمل في الله والآخرة. وكرد فعل على هذا الاتجاه في القرون الوسطى، ظهرت العلمانية، في عصر النهضة، عرضت نفسها في تطوير الإنسانية، عندما بدأ الناس في ابداء المزيد من الاهتمام في المكاسب الثقافية للبشرية وإمكانيات تحقيقها في هذا العالم. وكانت الحركة نحو العلمانية في التقدم خلال التاريخ الحديث كاملا ، وكثيرا ما ينظر إليها على أنها معادية للمسيحية وتكافح الظاهرة الدينية برمتها . 
في النصف الأخير من القرن 20th، ومع ذلك، بدأ بعض علماء الدين بالدعوة الى (علمنة )المسيحية او ما يسمى بالمسيحية العلمانية (Secular Christianity) 
وأشاروا إلى أن المسيحية لا يجب أن تهتم فقط مع كل ما هو مقدس بل يجب ان تهتم بالجوانب الدنيوية الاخرى ..و أن الناس يجب أن تجد فرصة لتعزيز وترقية القيم المسيحية في العالم . ويرى هؤلاء العلماء أن المعنى الحقيقي لرسالة يسوع يمكن اعادة اكتشافها والوفاء بها في الشؤون اليومية للحياة الحضارية في ظل مجتمع مدني علماني . وبذلك جنب هؤلاء العلماء نفسهم الاصطدام المباشر مع الحداثة المدنية ووجدوا طريقا وسطا للعيش السليم .
ما يهمنا نحن اليوم فلو اردنا مثلا دراسة الوضع الطائفي القائم اليوم في العراق ,,العلمانية سلاح قائم ورئيسي في القضاء على الطائفية .. تعرف الطائفية اليوم بانها نظام سياسي يقوم على اساسه التمثيل النيابي وعلى اساسه تتشكل الحكومات وتوزع القوى السياسية ..
ايضا يمكن تعريف الطائفية على الاساس الاداري وانها نظام اداري على اساسه تسند الوظائف والادارة ..ويمكن اضافة الوصف المناطقي والجغرافي وحتى الاقتصادي والاجتماعي ..وانها تولد بالنهاية شعورا مقيتا لدى المواطن وحالة نفسية تشعر المواطن بانه ابن طائفته قبل ان يكون مواطنا ..نلاحظ ايضا سلوكا خطيرا سيتولد لاحقا ,ان تضامنه مع ابناء طائفته سيبعده كثيرا عن باقي مواطني الوطن كله ..
الدعوة للعلمانية سلاح فعال للقضاء الى الطائفية هذه الطائفية بأحسن احوالها ولدت هذا الشعور الغير قيم ..فكيف بها اليوم تضرب ارجاء الوطن من اقصاه الى اقصاه حروبا ودماء وتهجيرا وتشريدا .. يبدو ان الاعتراض عن العلمانية اليوم هو دعوة لتثبيت الطائفية والدفاع عنها .. لكن بدون وعي وراي مستنير .. فيلجا دعاة الطائفية الى مبدا تسخير العقول الصغيرة والافكار السطحية لتسيد المشهد العام والحصيلة النهائية بحرا من الجهل والتخلف ..
المدافعون عن العلمانية لا يستطيعون تجاوز الخصوصيات الزمانية والبيئية ..قد تكون قضية العلمانية مثارة في قطر ما لا تلقى نفس الاهمية في بلد اخر .. ومناقشة الخصوصيات ذات الاعداد اللامتناهية صعب حصرها في اطار مناقشة العلمانية الا بشكلها العام والواسع ..
البعض عندما يتحدث عن العلمانية لا يوجد في ذهنه الا عنصر واحد هو الدولة الدينية والنقيض لها هي الدولة اللا دينية .. ايضا مناقشة مصدر السلطة السياسية في البلد فان كان من مصدر الهي ثيوقراطي فان الدولة دينية وان ان كان من غير هذا المصدر فان الدولة مدنية ..او ديمقراطية هذا الفصل والانعزال الحاد قد يخدم نظرية تسخير العقول الصغيرة أي الساذجة وقدرت الاجندات الاستعمارية والطامعة في تأليب الرعية على الحاكم ان كان ثيوقراطيا فاسدا او حتى مدنيا لا يراعي مراضاة المحكومين ..
مثلا اسرائيل دولة ثيوقراطية خالصة لكنها ذات حياة ديمقراطية قل نظريها في بلدان تدعي الديمقراطية .. العراق اليوم هويته ضائعة بسبب هذا الانعزال الحاد في المفاهيم .. شكل الدولة من الخارج مدني ديمقراطي لكنها من الداخل نظام ديني متسلط بشع ...
بالمقابل يحاول اعداء العلمانية على التركيز للترجمة الحرفية لمصطلح Secularism وتعريفه على انه فلسفة ترفض الدين رفضا مطلقا وتصر على ان لا يكون له مكان في الحياة المدنية !! الفلاسفة الذين نادوا بتطبيق علمية العلمانية يرى اعداء العلمانية هي دعوة صريحة الى الالحاد المطلق ..
في حين العلمانية وجدت وتطورت واثبتت انها هي من تحمي الدين ولا تغالي في فصله عن الحياة العامة وهنا اذكر هذا المثال في الحياة السياسية الامريكية من باب الاستطراد .
رغم ان النظام الدستوري والسياسي في الولايات المتحدة الامريكية ينص على الفصل التام بين الدين والدولة فصلا عبر عنه التعديل الاول للدستور الاتحادي ..وكان له في الفكر القانوني الامريكي وكان له في فضاء قضاء المحكمة الاتحادية العليا تاريخ طويل ..في ظل المبدأ المعروف بجدار الفصل بين الكنسية والدولة ..لكن هنالك ظهرت اصواتا علمانية هي نفسها تطالب بعدم المبالغة في (الفصل ) لان من شانه ان يؤدي الى تحول الدولة من الدولة اللا دينية الى دولة معادية للدين في على سبيل المثل قدم في العام 1983 مشروعا لتعديل الدستور الامريكي بقرار يمنع حرمان طلاب المدارس من حقهم في قراءة الكتب الدينية والكتاب المقدس لفترة معينة خلال اليوم الدراسي وقتها كان الرئيس رونالد ريكان هو من المتحمسين لهذا القرار الا ان القرار لم ينل الاغلبية اللازمة ليحظى بالفوز ..
في مثالنا اعلاه نرى علمانية الدولة بشخص رئيسها رمز الدولة ذهبت مع حرية الفرد في التعلم وان كان تعليما دينيا .. لكنها انحنت اجلالا واحتراما لمبدا مهم وهو الديمقراطية ولم تتجاوز عليه ..شريطة ان تكون الديمقراطية حقيقية نابعة من فلسفة عميقة لحاجات المجتمع لا ان تكون مستوردة او مقننة .. او غاشمة ..
نعود مرة اخرى الى مصطلح العلمانية وعلمنة المجتمع والتعريف الحرفي اللغوي ل secularism ان علمنة المجتمع اليوم لا تعني فقط مجرد ضمان للأقليات الدينية فحسب ..بل تعني ضمان تحكيم العقل ..العقل الواعي الناضج في ادارة الامور العامة والاجتماعية والسياسية والثقافية بما يضمن التقدم 
اخيرا يمكن القول انها منهج عقلي يستند على مبادئ الاعلان العالمي لحقوق الانسان من خلال الاعتراف بكرامة الانسان وحقوقهم المتساوية في العدل والحرية والسلام .. يتم من خلال هذا المنهج تدبير شؤون الناس وتلبية الاحتياجات للمجتمع من خلال غرس اسس التربية الصحيحة والتزكية العلمية القويمة كلها تؤدي الى سعي دؤوب وحوار متصل حول حل للمشاكل الحقيقية للمجتمع يشارك فيها اصحاب الراي وممن لديهم رؤية المصلحة العليا اولا بعيدا عن المصطلحات المحملة بأكداس التاريخ محركات الفتنة والشقاق

ليست هناك تعليقات: