السبت، 10 سبتمبر، 2016

من يحرك التاريخ - بين رأي ماركس و فولتير

 بقلم معتصم الصالح

يعرف لنا الفيلسوف الفرنسي ورائد عصر النهضة فولتير التاريخ على انه في جوهره ليس اكثر ولا اقل من تدوين الافكار أي انها التعبير عن الفكر والراي بالأحداث وليس سردا اصما لتلك الاحداث لذا فالتاريخ فلسفة بحد ذاتها .لذا فان الحوادث التي شغل بها المؤرخون انفسهم قبل فولتير وبعده مثل الحروب والنزاع الحزبي والاضطهادات والمجالس الكنسية والثورات والسياسة والدبلوماسية , توارث الحكم والسلالات وانهيار الامبراطورات والممالك وما هو بديل عنها فليست هذه الاحداث سوى التعبير الخارجي او الشكل الخارجي والمظهر البادي لتلك الافكار السائدة في تلك العصور وما نجم عنها.
اذن يعتبر فولتير من المعبرين الحقيقيين عن فلسفة العقل في التاريخ . فهو من يقول " ان الافكار قد غيرت العالم وكل ما عداها مداد لها ومعين , ومن ثم علينا دراسة نشوء الافكار لأنها المحرك الحقيقي للتاريخ " 
يعود فولتير ليقول " القاعدة الرئيسية التي اتبعها هي ان اعرف جهد استطاعتي عادات الاقوام وادرس العقل البشري والسلوك الانساني, وسأعتبر نظام تعاقب الملوك وتوالي الاعوام عليه دليلي , ولكنه ليس الغرض الذي ارمي اليه من كتابي " 
فولتير اعتبر من رواد مذهب الثنائية فهو كتب عن فلسفة الخير والشر عند الانسان ودرس تأثير الاخلاق في الحد من تفاقم الشر في النفوس الادمية ,فولتير ايضا كتب عن الامل بعد المأساة , ثنائية اخرى والسبب والنتيجة ويعبر رائد السببية المعاصرة والقانون السببي والجبري في الكون وموجز القول ان فولتير كان يدرس التاريخ من الناحية العقلية, وان الفكر الانساني هو صانع ما نراه في هذه الدنيا.
بالمقابل الراي المعارض لفولتير نرى اصحاب مذهب الواحدية او المادية فيما يرون ,الواحديون والماديون يرون من الدنيا ان الاجسام العقول صفة واحدة و المادة والروح متلازمان لا يفصل بينهما شيء وان المادة هي الاصل وعرف الباحثون منهم بان المخ هو وعاء العقل اختلف الماديون حول نشاط العقل والفكر الادمي ولم يقولوا هذا نشاط المخ او هذا نشاط العقل او ان هذه هي المادة والفكر عصارتها.
كما اخذنا فولتير كمثال للثنائية , نأخذ ماركس مثلا لمذهب الواحدية أي المادية ونرى كيف ينظر كل منها الى التاريخ والاحداث من خلال موازنة بينهما راي فولتير في التاريخ وراي كارل ماركس .
قد يميل بنا ذلك الى عقد موازنه بين بين طريقة فولتير وعنايته بالقيم الفكرية النظرية المادية في تفسير التاريخ التي روجها كارل ماركس في القرن التاسع عشر, ولا نزاع في النتائج التي انتهى اليها المفكران الكبيران كانت مختلفة, لكنها يلتقيان في ناحية واحدة ,هي ان كل منهما بدا من وجهة نظر جديدة. 
وهذا هو اهم اسلوب في التجديد المعاصر الذي اعتبر ثورة ثقافية بحد ذاتها .فولتير هو مهندس عصر النهضة في اوربا وبنى مجدا ثقافيا على انقاض حكم المجالس الكنسية والاقطاع وعصور الموت الاسود بعد وباء الطاعون. وكارل ماركس اهم من فند النظرية الرأسمالية والاستعباد والتبعية وغير طبيعة العالم المعاصر و دعى الى تحرر الفكر وحرية الانسان كوجود اساس مستقل. 
نسال مرة اخرى , من يحرك التاريخ اذن ؟ وماهي القوة الدافعة له ؟ 
عند كارل ماركس ان القوة الدافعة التي تشكل سير التاريخ هي القوة الاقتصادية, وعلاقة الناس ببعضهم البعض, باعتبارهم عاملين في الانتاج, هي التي تحتم بناء البناء الاخلاقي والسياسي والثقافي لأي عصر من العصور.
اما فولتير فعنده القوة المسيطرة على احداث التاريخ هي القوة العقلية, وان الاحوال السائدة في أي وقت من الاوقات هي نتيجة للأفكار التي تؤثر بطريق الافراد والطبقات والنظم القائمة التي هي بدورها تعبير عن هذه الافكار .
عند ماركس ان لب لباب التطور التاريخي هو الصراع , صراع الطبقات المسيطرة وهو صراع يجور فيه الذين يملكون على الذين لا يملكون . وهم انفسهم يتعرضون للمصير نفسه خلال سير التاريخ .
اما فولتير فيرى التاريخ معركة فكرية يحاول فيها الرجال ان يفرضوا افكارهم واوهامهم على غيرهم من الناس ليبسطوا سلطانهم عليهم, وهو انفسهم كذلك سيتعرضون الى نفس المصير في المستقبل . 
ومن كلماته في هذا الصدد " بناء على هذا التصور نرى ان التاريخ فيه من الاخطاء والاحكام المبتسرة ستتلو بعضها على بعض بالتعاقب , ونرى البارعين منهم والمحظوظين يستبعدون الحمقى والعاثري الحظ , والمحظوظون لعبة بيد الحظ مثل الطبقات التي حكموها ." 
اذا نظرنا الى هذين المذهبين في تفسير التاريخ من ناحية ارتباط السبب بالمسبب, نجد الفرق بينهما ليس بالكبير, فتصور كارل ماركس هو تفسير من الناحية المادية أي الاقتصادية للفكرة التي تناولها فولتير من الناحية النظرية البحتة , وبطبيعة الحال لم يكن فولتير مستعدا للنظر الى الموضوع من الناحية الاقتصادية, فان الثورة الصناعية التي جاءت بعده هي التي تكفلت بتوجيه الانظار الى هذه الناحية وتأكيدها, لذلك تصور فولتير التاريخ على انه صراع بين الافكار وتطور تقدمي للعقل البشري . 
فمن ناحية القوة الاقتصادية هي المحرك الاقوى للتاريخ, الماديون و الواحديون كانوا في بحوثهم اهدى .
ومن الناحية العقلية الثنائيون كانوا في بحوثهم اهدى, 
لان الخلاف اليوم في الظواهر الدينية والصراع المبني عليها كان الفكر هو المحرك الاقوى لهذا الصراعات الدموية في التاريخ اليوم . لم يبق الا بعد ذلك الا الرجوع الى الاديان وكيف اختلف اهل الاديان كما اختلف اهل الفلسفة.

ليست هناك تعليقات: