السبت، 10 سبتمبر، 2016

وَبَالَ أَمْرِ هَوّ الطَّاعَةُ

 بقلم معتصم الصالح

وَبَالَ أَمْرِ هَوّ الطَّاعَةُ
ظاهرة جديدة واسطوانة مشروخة بدأت ترن على مسامعنا اليوم موجهه ضد كل صيحات التغير والمطالبات بالحريات والحقوق المسلوبة هي عبارة " يا من تنادي بالإصلاح اصلح نفسك " ويامن تنادي بالتغيير غير ذاتك ثم راجع نفسك . واعد المراجعة طويلا وغير حتى شكل قصة شعرك ولون طلاء بيتك .. قبل ان تدعوا الى الاصلاح والتغيير .. فليس لك الا السمع والطاعة ..
هذه الدعوة الممنهجة من جهات معينة تدعو وبقوة الى الطاعة وكمن يمسك بسوط راعي البقر ليعيد القطيع الى مساره الصحيح ..
قبل ايام سمعنا زعيم روحي ينهر اتباعه بقوة " اطع , فليس لك سوى السمع والطاعة " فماذا يقصد بالطاعة حسب هذا المنظور !!
وهنالك من يردد ..اطع العالم وان سلب مالك!! ..اطع العالم وان جلد ظهرك !! 
الطاعة هل هي تلك القيمة الاجتماعية التي نعتز كمجتمع شرقي تربى على الاحترام والتقدير للأخرين واولي الامر وذوي الشأن واهل العلم ورجال الدولة منهم ..
ام انها كما يصفها الدكتور فؤاد زكريا ( انها بغير تحفظ رذيلتنا الاولى , وفيها تبلور سائر عيوبنا ونقائصنا )
ولأنها لفظة معنوية تحمل فيما تحمل من معاني حسب العقول والاذهان وخبراتها السابقة .
توصف الطاعة بانها الانقياد , لكن ليس هو الانقياد الاعمى أي الطاعة مع القدرة على البدائل هي طريق يتجلى اليه المرء طواعية , ان ارادته لا تستلب , واستقلاليته لا تتعطل وشخصيته لا تلغى , تلك هي الطاعة , فلماذا تتحول في عالمنا الى الانصياع ؟ 
لو رجعنا الى تراثنا العربي والاسلامي نجد ان ثلة من الزعماء ورجال الدين جاهدت كثيرا الى ابدال مفهوم الطاعة السامي الى مفهوم الانصياع والاذعان والانجرار الاعمى لتكوين قاعدة عريضة من الاتباع والانصار والمريدين .
السيوطي له كتاب اسمه جهد القريحة في تحرير النصيحة، حارب فيه علماء الكلام الذين أرادوا أن يعطوا للدين الإسلامي منطقا فكريا بدلا من الطاعة, كانت هذه احدى المحاولات الكثيرة لا لغاء منطق العقل في التفكير والتدبير واحلال محله عقل مغلق لاحول وله ولا قوة , ينفذ ما يلقى عليه من اوامر وتعليمات تأخذ الصفة الشرعية والقدسية كي لا يخالفها الاتباع . 
فمن خلال إشاعة ثقافة الخوف والتي هي عنصر أساسي للثقافة الدينية في تدجين الشعوب وإيقافها عن السؤال والبحث وحد الحريات ، وأحد المرتكزات الرئيسية لسيادة الحكم الديني في كل زمان ومكان . لرجل الدين السلطة الدينية وكثيرا ما كان في عصور الماضي السحيق له السلطة الدينية والدنيوية معا . 
ومن خلال ثقافة الخوف وان تحل اللعنة وقلة البركات وتقتر الرزق , تحول مفهوم الطاعة الى الانصياع والذي يختلف جوهريا عن الطاعة, فاذا ذهب رجل الى طبيب ووصف له نظام غذائيا معينا فله القدرة على اختيار نظام الطبيب الغذائي او نظامه الغذائي الخاص . لكن لو قال له ان مرضه خطير وعاقبته سيئة قد تؤدي الى الهلاك ستجد ان المريض ينصاع مذعنا الى كلام الطبيب دون ان تكون له حرية اختيار الدواء او رفضه !
كذلك الرئيس الذي يطلب من مرؤوسيه اداء عملهم بصورة افضل . قد تكون للمرؤوس حق مناقشة الطلب او رفضه او القيام به بصورة حسب ما يطلب منه ,لكن حين يمسك الرئيس بمفاتيح الرزق يلوح بانه قادر على تجويع المرؤوس وتشريده لن تكون هنالك طاعة التي تسمى طاعه بين انداد او حرية الاختيار والمناقشة وكذلك الذي يخير زوجته بين البقاء او التفريق حسب رغبتها ومن يهددها بطلاق وحرمانها من مصدر المعيشة الذي يوفره لها ولأولادها ..
الامثلة كثيرة وقد فصل هذا الموضوع لدى كتاب عرب واجانب كثيرا جدا . لكن اليوم نرى الوضع السيء في عالمنا العربي من خلال ظهور من الافكار الغريبة السطحية والسريعة الظهور ثم نجد لها صدى واسع وتتحول الى مذهب ديني او سياسي او حركة سياسية ذات اطار ديني من خلال الترهيب والتخويف الذي يحمل الصفة الشرعية . 
لا نغفل ان تراثنا العربي والاسلامي قد حفظ لنا بعض الادلة على الطاعة بالمعنى الذي نعرفها حرية الاختيار فقد قام احد الخلفاء يخطب في الناس من فوق منبر الصلاة قائلا " اسمعوا واطيعوا " فانبرى له احدهم " لا سمع ولا طاعة حتى تبين لنا من اين لك هذا الثوب الذي ترتديه !! 
الى ان بدد الالتباس وبددت الشبهة عاد الرجل وقال" الان نسمع ونطيع" ..
فهل يملك المطالبون بالدعوة المضادة للتغيير اصحاب مقولة "اصلح نفسك" بالرد على زعاماتهم كما فعل هذا الرجل ام هو انصياع منهم لأوامر تلقى عليهم وعليهم السمع والطاعة فقط 

فالمعني في هذا الموضوع حالة الانصياع بمعنى ان يضطر المرء الى الاذعان دون ان تكون لديه القدرة على الاعتراض او المناقشة , قد لا تكون هنالك مشكلة , لكن عندما يقهر على شيء وعمل او تكون ارادته مسلوبة تماما , مع الاخذ بنظر الاعتبار استبعاد فكرة ان اشد الناس تمردا يمكن ان ينصاع اذا ارغم على ذلك بقوة قاهرة ..فهذا لا نناقشه مطلقا ..
الطاعة العمياء بمعناها الانصياع هو مرض يتفشى بيننا بصورة كبيرة دون ان نلاحظ ذلك .ان كل انسان منا تمنحه هذه الطاعة امتياز على غيره او سلطة على اخرين رغم كونه بيدقا "شطرنجيا" في رقعة غيره يحركه كما يشاء سيعترض ربما على هذا الكلام . لكن نلاحظ ان كم الانصياع اليوم في عالمنا العربي والاسلامي يختلف ويزيد كثيرا عن الثقافات الاخرى ولم تقدم لنا هذه الطاعة تقدما حضاريا او علميا او ادبيا دينيا او او موروثا يحتذى به .بل العكس نجد التفرقة ومستوى هائل من التراجع في ميدانيين شتى . 
لا توجد هنا دعوة للفوضى الشاملة او التمرد على القوانين المحلية بل دعوة الى ثورة ثقافية شاملة تمنح للفرد منا شخصيته المستقلة عن غيره وتمنحه القدرة على الاختيار والارتجال والابداع . مع التذكير بقول احد العلماء الافاضل احذروا من زعامات الشرق كثيرا ..لان الوراثة فيهم تلعب دورا كبيرا , فالكبير يخلف كبيرا , ومن تحاط حوله هالة معينة يتحول الى كبير جديد . رقما يضاف الى سلسلة الزعماء .. وتبقى حلقات ودوائر الاتباع تدور في ذاتها

ليست هناك تعليقات: