السبت، 10 سبتمبر، 2016

الاسثاتيقيا وسريالية الجنس في اعمال الراحلة زها حديد

 بقلم معتصم الصالح

معتصم الصالح – العراق-

الجدل الواسع الذي حظيت به اعمال الراحلة زها حديد دفعتني الى البحث عن سر استعمال رمزية الجنس في تصاميمها المعمارية بصورتها السافرة من خلال الاعمال التي نالها هذا الجدل الكبير , فقد ربط مستخدمو الأنترنت في الصين بين تصميمات مطار بكين أكبر مطار في العالم الذي صممته الراحلة زها حديد وشكل المهبل التناسلي. وتم الكشف عن تصميمات مطار بكين في أبريل/ نيسان 2015، وعندما نشرت صورة لنموذج ثلاثي الأبعاد من التصميمات على الأنترنت بواسطة مؤلف صيني بارز، توالت التعليقات التي أوضحت أن التصميم يشبه جزءاً من الجسد الأنثوي. 
عند النظر لهذا التصميم نجد جسد فتاة, المرأة المتفجرة الأنوثة في أوضاع توحى بالإثارة او خارطة جسد كما وصفها الراحل نزار قباني" جسدك خارطتي ما عادت خارطة العالم تعنيني " وبشعر مرتب زخرفيا شبيه لأشعة الشمس .
استخدمت المعمارية " زها" المدرسة السريالية التي تقوم اساساً على تصميم ما يتصوره المعماري من افكار خاصة غير ظاهرة للأخرين من حوله , او إن صح القول على ما يتصوره العقل الباطن للمعماري من افكار ورغبات. اي من افكار خيالية, وأحيانا واقعية, لكن يتم دمجها بالخيال, ورسمها بهيئة نتاج فني خالص. وقد تكون في معظمها صور مشوهة للواقع ومبالغ فيها وهذا يقودنا الى كون السريالية انبثقت بفضل اطلاع الشاعر آندريه بريتون على أفكار الفيلسوف سيجموند فرويد بين العقل والخيال وبين الوعي واللاوعي واخذت منحى ادبي وفني ومعماري أي الجماليات بشكلها الاوسع .
الجماليات وتوظيفها, تلك الفكرة السريالية ذات المنطق الاستاطيقي او الاسثاتيقي (بالإنجليزية: Aesthetics) والتعبير عن هذه الافكار من خلال على رسم الانسان او اعضاءه او ادواته الخاصة بأطراف وزوايا متعددة وبترتيب اشعاعي او منحني متمايل بانسيابية هندسية، بحيث تبدو اللوحة المستقبلية كأمواج ملونة متعاقبة متمايلة. معمارية المستقبلية او المدرسة المستقبلية في العمارة ايضا اتسمت بالتغير المتميز بالفاعلية المستمرة في الزمن وسبقته الى ازمان لاحقه، والذي عرف هذا الفن المعماري بالسرعة والتقدم التقني احد ابرز مميزات تصميم "زها" .
فلو عدنا على استخدام رمزية الجنس والجدل المثار حولها وهى علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة كل منهما على حدة بالموضوع الإسثاتيقي الذي تبنته الراحلة "زها حديد" بقوة واضحه في اعمالها الكبيرة.
فالمرأة هي البطل مظهرتاً إياها بقوة التصميم وشكله الخارجي ودسامة مادته الجمالية وانعكاساته الغرائزية، مع دقة واضحة في التركيز على نقطة مهمة في جسدها .. بينما نجد صورة الرجل اتسمت بصور الحيوية والتفجير كما هو الحال في تصميم البنك المركزي .. كسرت زها حديد المنطق الاسثاتيقي ومثلت لأول مرة علم الجماليات علم المحاسن والشهوات في الفن المعماري , ذلك الفضاء القاسي المعالم الخشن التفاصيل العسير الهضم لمحبي الفن الجميل الناعم, دمجت معالم الجمال الانساني في هذا الفن .لم تكن "زها " السباقة لهذا الامر بل هو موضوع فلسفي قديم, اليونان كانوا يرون أن الإله يجمع بين الجماليات البشرية الكاملة وانه المثال المتكامل السامي للإنسان. 
هربرت ريد , عرّف الجمال بانه وحدة العلاقات الشكلية بين الاشياء التي تدركها حواسنا، إما هيجل, فكان يرى الجمال بأنه ذلك الجني الانيس الذي نصادفه في كل مكان، جون ديوي عرف الجمال بفعل الادراك والتذوق للعلم الفني. اما "زها حديد" مزجت بين الجماليات "البشرية والمنطق الاسثاتيقي في العمارة الحديثة في مرحلة اطلق عليها جماليات ما بعد الحداثة والتحليل النفسي عندما تحدى فنانو وشعراء وملحنين ومعماريو أوائل القرن العشرين مفاهيم الجمال القائمة، موسعين نطاق الفن والجماليات الى الجماليات المتطورة " الجماليات والمعلومات وهي نتائج التطور التكنلوجي والثورة الطبية والاقتصادية وثورة الاتصالات والمعلومات وغيرها .. زها حديد زاوجت الجماليات ما بين عناصر الفن والعمارة الحديثة وتبقى أحكام القيمة الجمالية تعتمد على قدرتنا على التمييز على المستوى الحسي. الجماليات تختبر نطاق تأثرنا لكائن أو لظاهرة. رغم انها تنكر ولكن ليس بذات الاصرار عن علاقة تصميمها بالإغراء الجنسي الا ان المدرسة السريالية في الفن بحد ذاتها تمثل العمق اللاشعوري للرغبات المكبوتة والجماليات المخفية قسرا بفعل عوامل التقاليد والعادات في مجتمعاتنا الشرقية المحافظة او لأسباب نفسية شخصية تعود للشخص نفسه , فعندما علق احد المدافعين عن اعمال "زها " قائلا " الناس الفاحشة ترى الأشياء البذيئة "، ادخلنا في جدل اخر, هل أشكال الفن المختلفة "الجميل أو المقرف أو الممل" متشابهة؟ ولماذا يرمز للسمات الانثوية بالجمال دائما وان ابرز دلائله!!
الحكم الجمالي لا يمكن أن يكون حكماً تجريبياً. لذلك، نظراً للاستحالة الدقة في الملاحظة واستنباط الحكم النهائي ، وهناك التباس حول ما إن كانت التفسيرات قابلة للتفاوض من الناحية الثقافية ام لا. لكن الثابت لدينا هنالك اجماع في كل الجماليات القديمة والحديثة وعبر دراسة الموروث الجمالي للحضارات المختلفة نجد على كون المرأة من ابرز السمات الجمالية في الفن والادب .
السريالية أي "فوق الواقع" وهي مذهب فرنسي حديث في الفن والأدب يهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق. والرغبات والجماليات المكبوتة احد هذه الافكار التي يسفر عنها وبشكل صرح الفن السريالي .والملفت للنظر ان السرياليون عندما يخبئون خلف افكارهم ومزجها بصور وتعابير اخرى عن الاخرين لابل حتى انفسهم وخوفهم من انكشاف هذه الافكار ويتعكزون كثيرا على الفرويدية في الفصل بين الشعور واللاشعور او الوعي واللاوعي نجد ان سيجموند فرويد بتصريحه المثير قائلا "أنّ ما لفت نظري في السّرياليين هو وعيهم وليس لا وعيهم !".
بما معناه أن التّجارب التلقائية التي قام السّرياليون بإظهارها وكأنها إطلاق للاوعي كانت منظمة للغاية من قبل نشاطات الأنا. بما يحقق الفرضية القائلة اعمالاً عظيمةً انتجتها "زها" ولكنها تكون أعمال الوعي وليس اللاوعي. (تحويل الرغبة أو الدافع من الموضوع الأصلي لموضوع بديل عند الشخص في علم النفس) . بتفسير اخر ان "زها " كانت مدركة تماما ما تريد القول به من خلال اعمالها العظيمة حتى ونفت الفكرة الاصلية للموضوع لأنه شأن سيكولوجي قد تجهل هي ربما مصدره . 
بقي لنا ان نبحث عن حياة "زها " العاطفية لنجد تفسير اصرارها في استخدمها المنطق الاسثاتيقي في الجماليات ومزجها مع المدرسة المستقبلية في الفن المعماري. ان سر هذا لعالم الذي يدور في نطاق "اللا عقل" هو النقيض لديناميكية الفكر الإنساني العقلاني الذي أطلع عليه في الكتب الأدبية والفلسفية لنيتشه، شوبنهور، هيجل، فرويد، بايرون، بودلير، كافكا، سترافنسكي، وبيتهوفن وغيرهم من أساطين الفكر.
واخيرا وكما يقول احد الظرفاء لو كانت " زها" على قيد الحياة الان لاستطعت ان اتوقع شكل الفكرة التي ستصممها في معلم ما في ايران مثلا او الهند, أي مكان اخر ذو صبغة ثقافية خاصة !!.

ليست هناك تعليقات: