السبت، 10 سبتمبر، 2016

على المدنية السلام

 بقلم:معتصم الصالح

نتحدث كثيرا عن الدولة المدنية وضروراتها ومقوماتها.. وتخرج التظاهرات قوية ثم تتلاشي مناديه بدولة مدنية دونما جدوى ..فالعالم اليوم له اذن من طين واخرى من عجين ..
ويجيبنا الراي اخر بقوة , وبصوتهم العالي الذي يريد يخرس كل الاصوات ..المدنية تتعارض مع القيم الدينية لمجتمعاتنا المحافظة !! 
هل فعلا توجد لدينا قيم دينية في مجتمعاتنا وما هو شكل هذه القيم ومفرداتها على ارض الواقع . 
لماذا ندخل اصلا في جدل عقيم لا يلد ولا يبيض ..
لنوجه اللوم والنقد اولا لأنفسنا ونرى طبيعة الواقع من حولنا
هل توجد قيم مدنية في مجتمعنا ؟ هل يوجد مجتمع متحضر؟ وهل توجد بيئة مدنية اليوم ام لا 
او حتى بذرة من بذرات المدنية او نواة لها يمكن ان تنمو اذا ما سقيت بماء الحداثة والتمدن والتجديد .. ولنرى واقعنا بعين اجتماعية كي نفهم سبب فشلنا في الدولة المدنية.
يتسمم مجتمعنا بانه طوال 35 سنة من عهد مباد, زحفت فيه قيم البداوة شيئا فشيئا الى مراكز الحضارة في مجتمعاتنا وضربت اطنابها فيه الى اليوم ..
بعد هذه السنوات تغير الحال بقدرة قادر و يمكنا ان نقول, اكتسحت قيم الريف اكتساحا جارفا لتلك المراكز الموبوءة اصلا بوباء البداوة والقبلية بأفقها الضيق.
البداوة التي زحفت علينا تتميز بتمجيد القوة والصرامة والتفوق الغاشم الذي تجلى , مما ادى الى تمترس الهمجية والرعونة .. 
اما قيم الريف فاتسمت بالمكر والخديعة والتحايل .. بمعنى الذي القي الينا من هذه الثقافات البدوية والريفية, القيم السلبية منها ليس الا ؟؟
القيم البدوية تقوم على القوة والغطرسة وحب الغزو والاستيلاء عنوة على موارد الاخرين والصراع والشجار المستمر والتسابق والتنابز ..والتنكيل بالأعداء وهجوهم شعرا ونثرا ونعتهم بأبشع الاوصاف واحطها قيمة ..
لذا نرى العشائر البدوية تميل الى التوحد والتوسع الافقي والعمودي أي التجمع افقيا, زيادة اراضي ومراعي القبيلة ..و عموديا زيادة بطون وافخاذ القبيلة ..كي تظهر امام الاخرين بمظهر القوة التي لا تقهر ..
امام المجتمع الريفي وعشائره فيميل الى الانقسام والتشتت والتبعثر اكثر منه الى التجمع. لأن هذا المجتمع لا يريد سلطة مطلقة لاحد عليه وكي تبقى الخيارات متاحة امام الجميع ..ويلعبون لعبة الثعلب والدجاج او الثعلب وسلة العنب..
لكونه مجتمع فقير محدود الموارد, وايضا لديه منظومة قيم اجتماعية صعب جدا التطاول و القفز عليها. فالعيب عيب والمعايب والمحرمات والموبقات كثيرة عندهم وهي من اكبر الكبائر . كي يصل الانتهازيون الى غاياتهم في تلك المجتمعات عليهم بالمكر والدهاء وسعة الحيلة وطول البال والمراوغة. والا قتلهم الجوع وبؤس الحال.
باختصار كنا امام نموذجين هما الضبع والثعلب بكل صفاتهما ..
في المجتمع البدوي مراكز القوى اربعة ..شيخ القبيلة, فارس القبيلة, الراعي والرعاة والخادم او "الكهوجي " 
مشيخة القبيلة محسومة بالوراثة ..لكن عليه ان يكون حكيما داهية ملما بأحوال الناس وعادات القبائل عارفا بأمور الطبيعة وتقلبات الطقس, متفرسا لمن حوله وملما لما يخبئون ويضمرون والا ضاعت قوته بينهم واصبح رجلا عاديا. باختصار يمكن تشبيه عمل شيخ القبيلة كالدجال الذي يمارس التنويم المغناطسي على رعيته .
لم يبقى سوى مرتبة فارس القبيلة وحامي الحمى يتنافس عليها المتنافسون ..لهذه الشخصية مميزات لاتعد ولا تحصى فهو الشاعر والفارس والعاشق والطيب الاثر في النفوس وهنالك منهم الفاسق واللئيم والحسود والسارق ومن يكيد المكائد كي يبرز شخصه هو على الاخرين..
وتبقى المعارضة عندهم ضعيفة جدا هم فئة الراعي والقهوجي وكثيرا ما يكون هؤلاء هم من نفس النسب . لكن لان الام هي وضيعة او حسبها لا يشرف او اخذت سبية من احد الغزوات او كدية قتل, تبقى ضعيفة امام جبروت الاخريات من ضرائرها وكيدهن ليصبح ابناء هذه الوضيعة رعاة وخدم يشعرن بالمهانة والاحتقار لكن ليس لديهم حيلة او سبيل لتغير واقعهم ..
في المجتمع الريفي ايضا اربعة مراكز قوى, صاحب الديوان هو الجواد الكريم بالقرية وهذا النموذج الايجابي لأنه كثيرا ما يتصف بنكران الذات والمتسامح وسعة الصدر..
الملا او الشيخ او رجل الدين ..يعتبر هو وزارة الاعلام في تلك المجتمعات التي لا تكل ولاتمل ولا تهدا. يعبئ ويوبخ ويذكر ويرسم السياسيات الداخلية على مداها القصير والبعيد .. يلجا اليه المغرمون والشاكون من كرب او جدب او شدة او قحط يطلبون منه راي السماء في حالهم..
"السيد" هو الشخصية الاكثر تأثيرا في تلك المجتمعات ..شخصية قوية تجمع بين قوة الشخصية والدجل المفرط وروح الانا العالية .. السيد كي يكون سيدا في قومه مهاب الجانب يجب ان تكون له مجموعة كرامات يتداولها العامة, لكنها ليست بتأثير اللعنات والقوى الشريرة الخفية التي تكون بخدمته لإيقاع الاذى بمعارضيه وخصومه والسيئين في المجتمع ..
تلجا اليه العامة بسبب او بدون سبب, تطلب ان تحل عليهم بركات السماء بواسطته ولمكانته السامية المقدسة. ويتبركون به وبكل حاجياته وآثاره. وتنذر له النذور وتقام على شرف الموائد, وترسل اليه الهبات والعطايا في كل المواسم والاوقات. لا يتم محفل فرح او حزن الا بحضوره وبموافقته. 
السيد مثلا ,كثيرا ما يضبط ساعة وقته ولا يذهب الى الديوان الا بعد ان يكون الجمع ملتئم وفيه جميع الحاضرون, فيدخل عليهم متشحا بالجلال والهيبة بأحلى زينته وعطره بيده عصا التبختر المرصعة بالأحجار الكريمة مختالا بها امام الناس , عينه الى الامام لكن ذهنه متوقدا وعقله وكل جوارحه تدور حول المجتمعين ..من نهض منهم متثاقلا؟ من سخر او استهزأ ؟ و من قام خائفا مرحبا .. فلكل واحد منهم ثواب معنوي وحساب مادي .. والا ضاعت سطوة السيد ..
المعارضة بالمجتمع الريفي لا تكون الامن ذلك الذي نطلق عليه مثقف القرية الذي اما ان يكون له اقارب في مدينة قريبة او درس في العاصمة واخذ منهم بعض مظاهر التمدن, يرونه شابا نزقا يلفت الانتباه بسهولة لأنه احلق شاربه وذقنه ويود لو يأتي الى الديوان ببجامة النوم ..ويسبل ازرار قميصا عامدا فاتحا صدره للأخريات من بنات القرية في رواحهن ومجيئهن الى النهر او المرعى, دلالة منه على نزاع العادات البالية ولبس روح الحداثة! .. كثيرا ما يحمل تحت ابطه كتابا ضخما انيقا ليس مهما محتواه ربما يكون " دليل الهواتف", بل كي ترى العامة حجم علمه ومعرفته بحجم كتابه هذا ..
وكثيرا ما يسير بين الناس يسفه احلامهم ويقوض بأيمانهم بالسيد والملا وما يعتقدون والاهالي تنصحه بالصمت والا حلت عليه اللعنة. 
السيد كثيرا ما يكون تاجر القرية ومالك القوة الاقتصادية نشأت قوته وسلطته ذاتيا, وليس لامتداد عمقها الديني او نسبه المقدس كما يدعي, كي يحمي تجارته من مكر وخديعة اهل القرية و الثعالب منهم , لان الموارد قليلة والمال غير متوفر وتجارته تقوم على المقايضة بينه وبين الاهالي, القماش والشاي والسكر وبعض الاواني المعدنية مقابل القمح والشعير و التمر والرز عند موسم جني المحصول..
لا توجد حكومة او قوة تجبر الاهالي الناكثين للعهد او الثعالب على الدفع, فلم يبق سوى ان تحل اللعنة على من ينكث عهده وموعده مع السيد, وكثيرا ما يتحالف الملا مع السيد في القاء اللوم والوعيد والتهديد في مواسم الحصاد على الاهالي. هذا التحالف سريا ومادته وديمومته كمية من المال والهدايا او وليمة فاخرة لقاء هكذا عضة عظيمة في هكذا موسم..
ويروي لنا تراثنا عن قصص كثيرة من هذا النوع. وعن تطور تلك القيم في تلك المجتمعات وترسخها فيها
اذا من حكمنا في العهود الماضية هو النموذج الاول القوة والغطرسة وروح المكابرة والاعتزاز بالإثم .. حتى الدولة و الاجهزة الامنية بنيت عل هذا الاساس.. النموذج البدوي 
من يحكمنا اليوم هو النموذج الريفي أي الثاني الذي بني على المكر والخديعة والباس القداسة على شخوص بعينها كي لا يخرج القطيع عن مساره ..الا ما رحم ربي ..
اذن لا توجد قيم دينية كما تعودنا ان نسمع او نرى. كل ما مطلوب ان تكد الناس وتكدح ويأتي ذوي الجلال والبهاء يجبون جبايتهم بأسماء وعناوين مختلفة. وبقيت للملا تلك السطوة والنفوذ الاعلامي الواسع بل زادت مع اتساع تقدم التقنية الاعلامية الحديثة ووسائل الاتصال..
اما الدولة المدنية هي النظام, الوقوف في الطابور حب التسامح نشر الخير العدل. ذاك الموظف الذي يلقاك باسما ينجز لك ما تريد دون ان يعرف نسبك وشكلك وحسبك ..او طلب هدية او ثناء.
الدولة المدنية هي يمكن تشبيهها بالصليب الاحمر الذي يمد العنون لكن الاطراف المتنازعة والمختلفة دون ان يجامل طرف على طرف ويؤمن للجميع فرصا للعيش تبدا من نفس خط الشروع. 
اذن الحديث عن الدولة المدنية في هكذا ظروف كمن عليه ان يختار أي من اربعة جدران اصلب كي يضرب راسه فيه .. 
وعلى المدنية السلام.

ليست هناك تعليقات: