السبت، 10 سبتمبر، 2016

فولتير, فيلسوف أوربا ورائد نهضتها, لم يكن ملحدا

معتصم الصالح

فولتير, فيلسوف أوربا ورائد نهضتها, لم يكن ملحدا 
"اذا استثنيا الراهب لوثر Luther صاحب البروتستانتية ليس هنالك احد من رجال الفكر في العصور الحديثة قد صار تأثيره وشهرته اوربيين خالصين مثل فولتير. " 
توماس كارلايل Thomas Carlyle 
كاتب انكليزي 

فولتير Voltaire (1694- 1778 م) فرانسوا ماري أرويه (François-Marie Arouet) فيلسوف أوربا والكاتب الفرنسي الشهير نال في عصره شهرة واسعة والمكانة العالية المرموقة مالم يبلغه كاتب قبله او جاء بعده حتى اصبح علما على عصره ورمزا دالا له, وليس باستطاعة أي انسان ان يتصور القرن الثامن عشر بدون فولتير او تأثير فولتير على أوربا باسرها ونهضتها.
فولتير اليوم يشار اليه على انه رائد العلمانية الاول واحد افضل مؤسسيها, وفضلا عن المواهب المتعددة لهذا الرجل فانه عالج في عصره الشؤون العلمية وربطها مع العلمانية وسميت ب "علمية العلمانية" ومنها اشتقت وجاء فلسفتها المعروفة والى اليوم, وعلمية العلمانية, أي الحركة في المجتمع الموجهة بعيدا عن القضايا الغيبية للحياة على الأرض, ظهرت هذه الحركة الثقافية وازدهرت في العصور الوسطى الأوروبية. 
لقد كان فولتير كاتبا ممتازا ومؤرخا عظيما وفيلسوفا مبدعا ايما ابداع واي عبقرية, بطبيعة ملكاته وسيدا من حملة الاقلام الذين دانت لهم البلاغة وملكوا زمام اللغة, مفكرا من الطراز الاول, قوي المعارضة, متوقد الذهل والقريحة, واسع الاطلاع, غزير المعرفة, قادرا على جمع المعلومات في شتى المواضيع واستقصائها وتلخيصها وعرضها في اسلوب سائغ وادب لامع.
قد وصفه احد النقاد المؤرخين بقوله (( انه بحسبانه مبسطا ومروجا لا نظير له في العالم ))
ما يهمنا في حياة وفلسفة هذا الرجل العظيم اتهامه من اخرين وسواهم بالألحاد, لأنه قال لا بديل عن العلمانية, هذا الاتهام يأتي من باب الاسقاطات النفسية وان جاءت بمعزى ثقافي , لاتهام العلمانية من بعده بالألحاد وانتقاص دور الحركة نحو العلمانية في التقدم خلال التاريخ الحديث كاملا، وكثيرا ما ينظر إليها على أنها معادية للمسيحية وتكافح الظاهرة الدينية برمتها. 
على ان نقاد فولتير يرون انه يمكن للقارئ ان يكون من مختلف كتابات فولتير التاريخية وفلسفته الخاصة منها, فكرة عامة عن فلسفة فولتير في التاريخ ونظريته السببية, قد كان فولتير من القائلين بالمذهب الطبيعي الالهي او مذهب التأليه مع انكار الوحي, الا ان الوجود كان في نظره آلة تديرها قوانين عظيمة لا تنثني ولا تلين ولا تهدأ ولا تستكين برهة, الكائنات جميعها خاضعة لهذه القوانين التي لا تتغير, لكنه ينكر وجود العناية الالهية في تفسيره للتاريخ, فالعناية الالهية لم تتدخل لإنقاذ نبي او وصي او قائد فذ من مصير محتوم او تخليص شعب او فئة من كرب عظيم او غرم فادح او شدة الا ما ندر, وهذا الندرة اليسيرة من خوارق الاحداث لا يمكن الركون اليها على انها تتماشى مع تلك القوانين الكبيرة التي تسير برمته فطبيعة الكون لديه ثابته وبالتالي لا يؤمن بالمعجزات , وهو يقول عن نفسه (( لست ملحدا, ولست ممن يعتقدون بالخرافات, اني اؤمن بالله لكن الآلة الذي اؤمن به ليس هو آلة المتصوفين او آلة علماء اللاهوت, اما هو آلة الطبيعة, والمهندس العظيم والمحرك الاول والدائم لهذا الكون الذي لا يتغير )).
لكن هذا الاله الفولتيري خارج الالة الضخمة, وهو يراقبها مراقبة سلبية, ومن السخف, في راي فولتير, ان نعزو اليه ما يحدث في هذا الكون الهين الشأن, فهو صانع الالة ومحركها ولكن الالة نفسها تسير تبعا لقوانين ثابتة ولا شيء يستطيع ان يعترض تلك القوانين ويغير مجراها او يحولها عن مسارها.
لما كان فولتير يؤمن بالطبيعة الالهية والنظرية السببية في ادارة هذا الكون الخاضع لقوانين ثابته في تاريخ الانسانية يلزم وجود العلاقة بين السبب والنتيجة Cause and Effect Theory ولا يمكن ان يكون غير ذلك مدام الانسان يعمل بموجب هذه القوانين المسيطرة على الكون, وفولتير لا يخالجه شك في هذه الناحية وكل حادثة في نظره من القاء حجر او سقوط عصفور الى تداعي الامبراطوريات وتدهورها هي نتيجة هذا النظام الكون الصارم الطبيعة والمحكوم بقوة قوانين لا تحابي احدا او تجامل او تتهاون مطلقا. والانسان كسائر هذه المخلوقات والاشياء خاضع لقانون السببية, ويبدو من خلال هذا كله يؤكد ان فولتير من القائلين بالجبر في التاريخ او المنادين بمذهب الجبر والداعين له. لكن الامر احيانا يكون خلاف ذلك فانه حينما يطبق على الحوادث والوقائع, يعدله , فانه يسمح بالمصادفة ان تلعب دورها وان يأخذ الحظ مجاله في الشؤون الانسانية, ويقول عنه النقاد انه كان يروقه الوقوف عند الاحداث التافهة التي تمخضت عنها نتائج غاية في الخطورة, ومن أمثلة ذلك الحادثة التي رواها في كتابه في عهد لويس الرابع عشر, وهي الشجار الذي وقع بين دوقة مالبورو Marlborough والسيدة ماشام Masham في مخدع الملكة أن Anue في انكلترا,
حيث كان المؤرخ بولنجبروك هو من روى هذه القصة وملخص القصة ومضمونها ان الدوقة قلبت زجاجة ماء على ثوب منافستها السيدة ماشام في حضرة الملكة آن فغضبت الملكة عليها وكانت نتيجة هذا الشجار ان سقطت وزارة الاحرار ومجيء المحافظين الى الحكم , وكيف غيرت هذه الحادثة البسيطة من مجرى الاحداث وادى بالتالي الى عقد معاهدة أترخت والصلح مع فرنسا ,أي ان زجاجة ماء كانت السبب في عقد معاهدة أترخت !!
لكن من الإجحاف في الاسراف والمبالغة بالقول ان فولتير كان يرى الاحداث التاريخ سلسلة من امثال هذه الحوادث الطارئة, كما انه من الاسراف الاعتقاد بانه كان جبريا في نظره للتاريخ, وموقفه على ما يبدو هو ان المصادفة تلعب دورا ظاهرا في احوال البشرية وتاريخ الانسانية, الا اننا لو اطلنا النظر الى في المصادفات اتضح لنا انها ليست سوى العلاقة المحتومة التي تقع بين الحوادث التي تقع في هذا الكون او يمكن اعتبارها همزة الوصل بين حدث واخر أي الانتقالات الغير مسببة بما يكفي من الاسباب والموجبات, معرفتنا دائما يعتريها النقصان وعدم استطاعتنا الوصول الى الاسباب النهائية للأشياء والحوادث, هي التي تجعلنا نعزو احداث التاريخ والانسانية الى المصادفة أي بالقدر الذي تحمله كلمة المصادفة من معاني لا اكثر ولا اقل.
من هذا يمكن ان نستنتج ان فولتير لم يكن ملحدا كما يقول هو نفسه وما تعبر عنه اراءه وكتاباته بمعنى ان يقر بوجود آلة عظيم هو المدبر والمحرك لهذا الكون عبر قوانين ثابته تخضع لها كل الموجودات والمخلوقات على الارض وفي سائر الكون, وايضا اعطى للصدفة حيز معينا في صناعة الاحداث لكن ليس بذات الحجم والدور الكبير الذي اعطاه الماركسيون واليساريون للصدفة والتلقائية في تسيير هذه الطبيعة الكونية. وبالتالي الاستنتاج النهائي ان العلمانية لا يمكن ان تحسب على مذهب الالحاد او منطق المصادفة بمعناه الماركسي

ليست هناك تعليقات: